السلمي
151
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
« هو نور يقذف في القلب فينشرح له الصدر » فسئل هل لذلك علامة ، قال : « التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود » « 1 » وهو أن يمقت الدنيا ويبغضها ويعرض عنها وعمن أقبل إليها ويعلم أن النظر إلى الدنيا مباح للعوام ومكروه للخواص وحرام على الرسل صلوات اللّه عليهم أجمعين . قال اللّه تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ « 2 » . فعلى المريد أن يؤدب نفسه في كلّ وقت بالرياضات والمجاهدات ، ويشغل لسانه بالذكر وقلبه بالتفكر ، وسره بالمراعاة والمراقبة ، وروحه بصفاء المعرفة والمشاهدة ، ويعلم أن من كان أصح ( بداية ) كان أتم نهاية . فإن النهايات ترجع إلى البدايات إذا صحّ فيها سالكها . فإن من كان أخلص خدمة كان أصفى مشاهدة ، ومن كان أصدق حالا كان أكمل ولاية ، ومن كان أتم علما كان أحسن تفويضا ، ومن كان أسلم معرفة كان أتم تسليما ، وكمال التفويض للحبيب صلوات اللّه عليه بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « فوضت أمري إليك » « 3 » وكمال التسليم للخليل عليه السلام بقوله أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 4 » . فقد جعل اللّه تعالى أسباب الوصول إلى الحقائق على مقام درجات ، فقال عز وجلّ : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ « 5 » فابتداء المقامات والمراتب الصلاح وانتهاؤه
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك : 4 / 311 بزيادة : « والاستعداد للموت قبل نزوله » . ورواه البيهقي في شعب الإيمان . ( 2 ) سورة طه : 131 . ( 3 ) مر الحديث ، متفق عليه . ( 4 ) سورة البقرة : 131 . ( 5 ) سورة النساء : 69 .